الصفحة الرئيسية
أعداد الكلمة
كُتّاب الكلمة
الكلمة في الإعلام
اشتراكات الكلمة
اتصل بنا
البحث في الموقع
 



 

 

العدد ( 76 ) السنة التاسعة عشرة ، صيف 2012م / 1433هـ

 

التجربة الجمالية ودورها الاجتماعي عند أبي نصر الفارابي
الدكتور مناد طالب

*

* أستاذ محاضر بقسم الفلسفة جامعة الجزائر.

 

- 1 -

لا ريب في أن الدارس المتفحص لفكر أبي نصر الفارابي (872 - 950م)، والفلسفة على عهده أهم العلوم وعلم العلوم وأم العلوم، يكشف أن تجربته الجمالية لا تعدو أن تكون جزءاً من حياته الفكرية الفلسفية والعملية، والجمالية كعلم متميّز عن باقي العلوم لم تظهر إلَّا في القرن الثامن عشر الميلادي على يد الفيلسوف الألماني بومغارتن A.G. Baumgarten (1714 ـ 1762) في كتابه (تأملات فلسفية في موضوعات تتعلق بالشعر)، وهو من أطلق اسم الإستيتيقا Lesthétique على الجمال كعلم تمييزاً له عن غيره من العلوم.

لكن، ومع ذلك، فعلاقة الإنسان بالفن والجمال لم تكن وليدة القرن الثامن عشر الميلادي ولا الأمس القريب، بل الفن ولد يوم أن أراد هذا الإنسان العاقل ترتيب أموره وتنظيم حياته وصنع أدواته التي تساعده على البقاء. فليس الترتيب والتنظيم والتصنيع -مهما كان هذا التصنيع بدائيًّا- سوى فنٍّ من الفنون التي تظهر المرتب والمنظم والمصنوع في صورة جمالية تبعث في النفس البشرية نوعاً من الارتياح واللذة العميقين. وهل موضوع الفن إلَّا الجمال، أيًّا كان هذا الجمال حسيًّا أم معنويًّا؛ وهناك من يرى أن «الإنسان المتوحش فنان، والإنسان المتحضر فنان، وكلاهما عبد الجمال».

فالجمال هو الواجهة التي يطل منها كل عمل فني؛ لذا كان «الفن توأم الجمال، [وكان] الفنان الحق، هو الذي يصور حتى القبح تصويراً جميلاً، [وصار] حتى أشد الفنانين واقعية لا ينقل الأشياء بل الصورة التي في نفسه عنها».

ويذهب البعض في تعريف الجمالية إلى حد القول: «إن الجمالية، بمعناها الدقيق، تكمن في المعرفة المنشودة لمجرّد اللذة التي تتيحها لنا حدوث المعرفة [بانصبابها] على جميع الأشياء القابلة للانكشاف، وعلى جميع الذوات القادرة على المعرفة، وعلى التلذذ بهذه المعرفة. [فالجمالية بالتالي لا تستهدف الفن فحسب بل تتعداه.. إلى جميع كيفيات الجمال]».

وعطفاً على هذه النظرة الفسيحة، ومن إحدى هذه الكيفيات الجمالية تروم هذه المقالة، في عمومها، الإبانة عن الكيفية التي من خلالها استشعر أبو نصر الفارابي البعد الجمالي، وتمظهرت من خلالها تجربته الجمالية.

غير أن التجربة الجمالية التي نرغب في الكشف عنها عند فيلسوفنا أبي نصر الفارابي ليست تجربة كان قد أودعها في إحدى مؤلفاته الفلسفية، بل هي تجربة تتطلب منا أن نتتبع آثارها ونستخرجها من ثنايا كتاباته الفلسفية، لنبينها أولاً، ونكشف، على الخصوص، من خلالها ثانياً عن ضرورتها الوجودية ووظيفتها الاجتماعية إن على مستوى الخاصة وإن على مستوى العامة. وهي بهذا تكون لبنة من اللبنات التي ساهمت بقسط وافر في بناء الجمالية والدفع بها إلى أن تظهر كعلم متميّز عن سائر العلوم الأخرى.

يلقب الفارابي بالمعلم الأول؛ لأنه، كما وصفه ابن سبعين، كان أفهم فلاسفة الإسلام، وقد لُقِّب من قبل أرسطو (384 - 322 ق.م) بالمعلم الأول، والفارابي نفسه، وبالرغم من ذهابه إلى أن الفلسفة هي أقدم العلوم، ظهرت عند الكلدانيين وهم أهل العراق، ثم صارت إلى أهل مصر، ثم انتقلت إلى بلاد اليونان، ومن ثم إلى السريانيين ثم إلى العرب، يصرح أن أفلاطون ( 428 - 348 ق.م) وأرسطو هما الحكيمان المبدعان للفلسفة، «وعليهما المعوّل في قليلها وكثيرها، وإليهما المرجع في يسيرها وخطيرها، وما يصدر عنهما في كل فن إنما هو في الأصل المعتمد عليه، لخلوه من الشوائب والكدر..».

فهل يعني هذا أن التجربة الجمالية عند أبي نصر الفارابي، وهو الفيلسوف المسلم، وهما الفيلسوفان الوثنيان، لا تخرج عن كونها امتداداً لتجربة هذين الفيلسوفين المختلفين وإن اجتمعا على أن المثال/الصورة فوق الظل/الحس مع اختلافهما أيضاً في مكان تواجد هذه المثل/الصور، أم أن له في المسألة ما يميّزه عنهما وإن تأثر بهما؟

إن أفلاطون، وإن كان يفرّق فيما يبدو بين الجمال الحسي الذي يعتبره لهواً والجمال المثال، يكشف لنا، مثلاً، ومن خلال (المأدبة) عن الطريق الموصل إلى معرفة ما هو جميل (الجمال الأمثل) فيرشدنا إلى أن نبدأ «بتنظيف الفكر من كل ما هو ناقص.. [وأن الحب] يمكننا، بتجاوز أنفسنا، من الخطوة بكل ما هو خالد وإلهي. فالحب تشويق لا متناهٍ إلى عالم آخر، يتغيّر هو به. وهو باعتباره كذلك، يوفر لنا وسيلة إدراك الجمال الأمثل» أي من جمال الجسد إلى جمال الروح ومن الأشكال المحسوسة إلى السلوك الأخلاقي، ومن الحكمة الأخلاقية إلى الرغبة في الحكمة المطلقة عن طريق المعرفة الضرورية المفضية إلى المثل الأعلى، الجمال المطلق والخير المطلق الأبدي الذي هو الله عند الفارابي، وهو ما نجده أيضاً في أسطورة (فيدر) الرائعة حيث نرى النفوس تحاول أن تصعد إلى أعلى مستوى ممكن، في مشاركتها للجمال المطلق.

وتجربة أفلاطون هذه تعد تجربة منوطة فقط بمن هو مشروع فيلسوف، وقد بثَّها أفلاطون فيما كتب بكيفية أو بأخرى، وخلاصة القول فيها: إن مفاهيم الجمال والفن عند أفلاطون تظهر من خلال نظريته في الوجود والمعروفة بنظرية المثل، ومفادها أن العالم المحسوس هو مجرد ظلال لعالم المثل حيث كانت تعيش الأرواح قبل أن تُعاقب بالنزول، فالحقيقة إذن هي من خارج هذا العالم الكاذب ولا تتأتى لنا إلّا من طريق المعرفة الفلسفية (التذكُّر) الصاعدة من الإحساس الوهمي إلى الظن الحسي إلى الإدراك الحسي (إدراك المحسوس في فكرة) إلى التعقل الحدسي (إدراك الفكرة في مثال أو مثال الفكرة الموجود وفقط في عالم المثل).

وبناء على هذا كان للجمال عند أفلاطون درجات: الجمال المحسوس الأدنى والجمال المعقول والجمال المفارق؛ فالروح التي تتوق إلى أصلها (عالم المثل) تهيم حبًّا بكل ما هو جميل لأنه وسيلتها للارتفاع إلى هذا الأصل وهو من يُذكّرها به.

ومن هنا كان أيضاً للفن صنفان: صنف كان سبباً في وجوب طرد صنف من الفنانين من (الجمهورية الفاضلة) لكون فنّهم محاكاة لمحاكاة ويشوبه التضليل. وصنف مقبول وهو ذاك الذي يصاحب الفنان في طريقه إلى كشف عالم المثل؛ وفي هذا الباب بالذات كان تأثر الفارابي بأفلاطون.

وأما عن أرسطو، فخلاصة تجربته يمكن أن نستخلصها من قوله: «لا يمكن لكائن أو شيء مؤلف من أجزاء عدة أن يكون جميلاً إلّا بقدر ما تكون أجزاؤه منسقة وفقاً لنظام ما، ومتمتعة بحجم لا اعتباطي، لأن الجمال لا يستقيم إلّا بالنسق والمقدار»، فالجمال إذن، في رأيه، يكمن في مظهره الأكمل؛ ومن هنا كان رأيه أن الفن هو محاكاة للطبيعة لكنه وفقاً لمعيار كلي عقلي وليس مفارقاً كما يذهب إلى ذلك أفلاطون وذلك طبقاً لنظريته في الوجود، فكان أن قصر المحاكاة على الفنون الجميلة المنتجة للأعمال الجميلة والمحققة للذة الفنية تمييزاً لها عن باقي الفنون الصناعية الأخرى التي تحقق المنتجات المفيدة.

والفن عنده يغيّر الطبيعة إما إلى الأحسن كما هو عليه الحال مثلاً في فن التراجيديا، وإما إلى الأسوأ كما هو عليه الحال مثلاً في فن الكوميديا المضلل، فكان من أهم وظائفه الأخلاقية تصفية النفس من الانفعالات الضارة وتحقيق التوازن النفسي لدى الفرد..إلخ.

ولما كانت التجربة الجمالية عند الفلاسفة القدماء، وعند هذين الفيلسوفين على وجه الخصوص، غير مستقلة عن نظريتها في المعرفة والأخلاق جاءت التجربة الجمالية عند أبي نصر الفارابي على المنوال نفسه.

- 2 -

إن أهم ما يميّز الفلسفة الفارابية نظرته الغائية للإنسان، التي جاءت وفق نزعة رومانسية صوفية، مزج فيها بين الفلسفة اليونانية والروح الشرقية الإسلامية، تمثّلت في سعي الإنسان الدؤوب إلى تحصيل السعادة القصوى في الدنيا والآخرة، واللذة القصوى التي تتولد عند إدراكه للكمال المطلق الذي هو أصل الجلال والجمال.

وإذا كان الجلال عند الفارابي يحصل من استشعارنا للذات والصفات والأفعال الإلهية، فإن الجمال هو السمة المشتركة بين كافة الموجودات، كل حسب درجات ومراتب وجوده. وكما أن الكمال في الجلال كائن فكذلك يكون الكمال في الجمال، «وإن كل موجود إنما كوّن ليبلغ أقصى الكمال الذي له أن يبلغه بحسب رتبته في الوجود الذي تخصه»؛ والكمال هو أصل للجلال والجمال، وذلك لأن كمال الشيء هو الذي يجعله جليلاً أو جميلاً وافتقاده يجعله قبيحاً؛ «فالجمال والبهاء والزينة -يقول الفارابي- في كل موجود هو أن يوجد وجوده الأفضل، ويحصل له كماله الأخير. وإذا كان الأول وجوده أفضل الوجود فجماله فائت لجمال كل ذي جمال».

فما السبيل إلى هذا الكمال، الجمال؟

إن التجربة الجمالية عند أبي نصر الفارابي تنكشف أيضاً من خلال نظريته العامة في الوجود، وهي نظرية استمدها من أفلوطين (205 - 270م)، وتأثيره عليه فيها ظاهر لا يخفى على أحد، وهي التي تُعرف بنظرية الفيض؛ ومؤداها أن الفيض يتم من وجهين: فيض من حيث الوجود وفيض من حيث المعرفة.

أما فيض الوجود فهو يبدأ من الواحد الأول وهو واجب الوجود بذاته وهو الله إلى ما دونه من الموجودات على الترتيب، وهي موجودات ممكنة الوجود بذاتها وواجبة الوجود بغيرها، وواجب الوجود هو في غاية الكمال والجمال والبهاء لأنه الأول، فهو عقل محض وعاقل محض ومعقول محض، و«لأن المانع للصورة من أن تكون عقلاً [كمالاً وجمالاً]، وأن تعقل بالفعل هي المادة»، وهي في الدنيا من حيث الرتبة في الوجود.

وإذا كان الله تام الوجود فمن مقتضى ذلك أن تكون به معرفتنا أتم معرفة؛ غير أن معرفتنا به لا تكون كذلك إلَّا بقدر ما تتخلص نفوسنا من كدر المادة التي تحول دون هذه المعرفة.. ومن مضامين هذا الكلام أن معرفة الجمال وكماله تتأتى لنا كلما تخلصنا من شوائب المادة، ويبلغ الجمال كماله وبهاؤه في الصورة التي هي عقل وعاقل ومعقول. ولهذا السبب كان الفيض من حيث المعرفة لا يتم إلَّا على استعداد يتم هو الآخر على مراحل ومراتب.

يرى الفارابي أن للإنسان قوى منها القوة الناطقة التي تتلقى الصور من العقل الفعّال وبها تُدرك المعقولات وبها تميّز بين الجميل والقبيح، وهو في هذا الفهم نجده يجمع بين ما ذهب إليه أرسطو في نظريته في العقل وما ذهب إليه أفلاطون في نظرية المثل، إذ يذهب إلى أن اسم العقل الذي ذكره أرسطو في كتاب النفس يقال على أربعة أنحاء: عقل بالقوة وعقل بالفعل وعقل مستفاد وعقل فعّال، والمعرفة أول ما تبدأ مع العقل بالقوة، ذاته معدّة أو مستعدّة لأن تنتزع ماهيات الأشياء كلها وصورها دون موادها فتجعلها كلها صورة لها، أي تصير فيه بالفعل، ويصير العقل بالقوة عقلاً بالفعل، ومن هذه الإدراكات المجردة، يتكوّن العقل المستفاد الذي بوسعه إدراك المعقولات المجردة والصور المفارقة، ومتى بلغ العقل الإنساني هذه الدرجة لم يبقَ بينه وبين العقل الفعّال، الذي هو آخر العقول المفارقة السماوية [والمعروف عند الفارابي بواهب الصور] شيء آخر.. وهو من يُصيّر النفس الإنسانية في جوهرها عقلاً بالفعل أو يمكنها من تجريد الصور من موادها وإدراكها بالفعل.

غير أن الطريق إلى العقل الفعّال هذا قد يكون من طريق العقل المستفاد الذي يسعى إلى التخلّص من شوائب المادة والارتقاء نحو العقل الفعّال، وقد يكون كذلك من طريق المخيلة أو القوة المخيلة التي من وظائفها أن تُحاكي المعقولات كما يحاكي الفنان عند أرسطو الطبيعة، وهو طريق يستخدمه كذلك -في نظر الفارابي- النبي الذي يسمو من خلاله إلى درجة العقل الفعّال ليستمد منه الوحي والإلهام، وهو في هذا يخالف أفلاطون فيما ذهب إليه في جمهوريته؛ فلا يمتنع إذن أنه إذا بلغت قوة الإنسان المتخيلة نهاية الكمال أن يقبل الإنسان في يقظته من العقل الفعّال، ويقبل محاكيات المعقولات المفارقة، فيكون له بما قبله من المعقولات نبوة بالأشياء الإلهية.

والشاهد هنا أنه لما كان الكمال هو أصل الجلال والجمال لأن ما يجعل الشيء جليلاً أو جميلاً هو كماله، فإن الكمال مرتبط بالفيض؛ إذ هو متدرج من الكمال الإلهي إلى الإنساني ومن الكمال الروحي إلى المادي، وكلما تجرّد الشيء من شوائب المادة كان أكمل وأجمل؛ وبقدر ذلك يكون كمال اللذة والسعادة.

والجمال عند الفارابي أوسع من الجلال من حيث المدلول، فإذا كان الجلال مرتبط بالذات والصفات والأفعال الإلهية، فإن الجمال مشترك بين جميع الموجودات وكل على حسب مراتب وجوده من نظرية الفيض أو الوجود؛ فمن ذلك أن الجمال في الموجود المعيّن أن يحصل له كماله الأخير، فكذلك فإن كمال الجمال المعنوي/ الروحي لا يحصل إلَّا في حصول كمال المعرفة النظرية المفضية إلى كمل اللذة والسعادة القصوى، ولهذا نجد الفارابي، وتوافقاً مع التصور الإسلامي للفن والجمال، يجعل من الألوهية مصدراً للجمال وبكيفية توافق إلى حدٍّ ما، ما ذهب إليه من بعدُ الفيلسوف الألماني هيجل، الذي رأى أن الجمال هو مظهر الله على الأرض، وهو إذ يفعل إنما وجدناه يحرر الفن من نظرية المحاكاة اليونانية للطبيعة، الأرسطية خاصة، التي جعلته شكلاً من أشكال المحاكاة للواقع.

وتبعاً لما سبق يرى الفارابي أن للفن دوراً هامًّا عليه أن يلعبه في الأمم وأهل المدن أو في المجتمع المدني والسياسة المدنية، ومن ثم فليس الفن، في نظره، لمجرد المتعة وإن كان لا يخلو منها، ولا لمجرد اللهو الأفلاطوني، إنما له مهمتان أساسيتان إحداهما أخلاقية وأخرى معرفية تعليمية، الغاية القصوى منهما السعادة القصوى؛ يقول أبو نصر الفارابي: «الأشياء الإنسانية التي إذا حصلت في الأمم وفي أهل المدن، حصلت لهم بها السعادة الدنيا في الحياة الأولى، والسعادة القصوى في الحياة الأخرى؛ أربعة: الفضائل النظرية والفضائل الفكرية والفضائل الخلقية والصناعات العملية»، وهي فضائل لم تكن لتحصل لدى الأمم وأهل المدن من دون أن تكتسي حلّة فنية جمالية تُرَغّب في المطلوب وتحقّق أهداف العملية التعليمية وتدفع بها إلى مصبها الأخير.

والمنتدب أو الذي يتولى مهمة التعليم الضرورية هذه، والغالب عند الفارابي يتولاها الفيلسوف، ينبغي له ابتداءً أن يتم تحصيل هذه الفضائل النظرية وطرق تعليمها لضرورة نقلها وتعليمها للعامة من الناس فيما بعد ووفق الطريقة التي تلائمهم، «[و] الغرض الأقصى منها أن تحصل الموجودات التي تحصل عليها معقولة متيقناً بها فقط. وهذه العلوم منها..العلوم الأُوَل، ومنها ما يحصل بتأمل وعن فحص واستنباط وتعليم وتعلم».

فالحاصل من هذا إذن أن سعادة الإنسان، التي هي الغاية من وجوده، هو أن تحصل مفاهيم الموجودات لديه مجردة وتتقرر معقولة، وهو ما يعني الاتصال بالعقل الفعّال (العقل الكلي) المفضي إلى الكمال الإلهي، فيكون منه الكمال الذي منه يكون الجمال في أعلى مراتبه، وعلى حسب مراتب الموجودات المعقولة، ولهذا يكون الجمال، عند الفارابي كذلك، هو أن يحصل الشيء على كماله الأخير كل حسب مرتبته من الوجود.

ولما كان الناس متفاوتين في الإدراك كانت طرق التعليم عندهم مختلفة. فأما الخاصة فطريقهم هو أن تحصل لديهم الموجودات معقولة، فيبدأ بالنظر في مبادئ الموجودات الدنيا ثم إلى مبادئ الموجودات المعقولة (الكاملة/ الجميلة) «إلى أن ينتهي إلى موجود لا يمكن أن يكون له مبدأ أصلاً من هذه المبادئ،..بل يكون هو المبدأ الأول (الله) لجميع الموجودات [الجميلة ويكون هو المبدأ الأكمل الأجمل]، فتحصل معرفة الموجودات بأقصى أسبابها [الجميلة]».

ومن هذه الفضائل التي عدّها أبو نصر الفارابي والمطلوب تحصيلها والمفضية إلى سعادة الإنسان القصوى الفضائل الفكرية التي مصدرها القوة الفكرية ممثلة في الإرادة أو ما يسمى حديثاً بالعقل العملي. ولأنها فضائل أغراضها متبدلة بتبدل الإرادة «[فــ]بعضها لا يمكن أن يجعل لها قوانين، وبعضها يمكن أن يجعل لها قوانين؛ [لكن قوانين] تتبدل وكلمات تتغيّر».

ولعل الوظيفة الرئيسة التي تقوم بها هذه القوة الفكرية عندما تصير إلى كمالها أنها تستنبط من الفضائل المدنية ما هو أنفع، والأنفع عند أبي نصر الفارابي هو ما كان جميلاً حسناً، يحدث في النفس لذّةً وارتياحاً عميقين، وقد يكون قبيحاً شرًّا فيحدث في النفس عكس ما أحدثه الأول فيخرج عن أن يكون نافعاً، ولهذا قال الفارابي: «وأكمل ما تكون القوة الفكرية متى كانت إنما تستنبط أنفع الأشياء في تحصيلها، وربما كانت خيراً في الحقيقة وربما كانت شرًّا وربما كانت خيرات مظنونة أنها [خيرات، فإذا] كانت الأشياء التي تستنبط هي أنفع الأمور في غايةٍ ما فاضلة، كانت الأشياء التي تستنبط هي الجميلة والحسنات، وإذا كانت الغايات شروراً كانت الأشياء التي تستنبط بالقوة الفكرية شروراً أيضاً وأموراً قبيحة وسيئات.. إلخ».

- 3 -

بناء على هذا الطرح فإننا نكتشف أن أبا نصر الفارابي قد ذهب إلى ما كان قد ذهب إليه من بعدُ الفيلسوف الانجليزي دفيد هيوم ( 1711 - 1776م)، ومن نسج على منواله من التجريبيين في أن الأنفع هو الأجمل والأجمل هو الأنفع، لكن مع تقييده للأنفع/ الأجمل بالغاية الفاضلة؛ «فلا فرق -يقول الفارابي- بين أن يقال أنفع في غاية فاضلة، وبين أن يقال أنفع وأجمل (عامة)، فإن الأنفع الأجمل هو بالضرورة لغاية فاضلة، والأنفع في غايةٍ ما فاضلة هو الأجمل في تلك الغاية».

والحاصل من هذا أن الأنفع الكامل الذي هو الأجمل الكامل لا يخلو من أن يكون كذلك هو معرفة حصول الموجودات بأقصى أسبابها فتنتهي إلى المبدأ الأول (الله) فيحصل الكمال المطلق الذي هو أصل الجلال والجمال.

وإذا تقررت الفضائل كاملة لدى الفيلسوف وحصلت له السعادة والتلذذ بالكمال المولد للجلال والجمال كان عليه أن يُوجدها في الأمم وأهل المدن، وهو سبيل العامة إلى السعادة، ويكون من طريقين: طريق التعلّم وطريق التأديب، وفرّق بينهما الفارابي فقال: «والتعليم هو إيجاد الفضائل النظرية في الأمم والمدن، والتأديب هو طريق إيجاد الفضائل الخلقية والصناعات العملية في الأمم. والتعليم هو بقول فقط..».

ثم يضيف الفارابي قولاً ظاهره كيفية التأديب، وأما ما توارى منه فهو ذلك القول المضمر الذي لا يخلو من ضرورة تواجد البعد الجمالي - الفني في الحياة الإنسانية التعليمية - التأديبية، وسيلةً وغايةً، فيقول: «والتأديب هو أن تعوّد الأمم والمدنيون الأفعال الكائنة عن الملكات العملية وبأن تنهض عزائمهم نحو فعلها، وأن تصير تلك وأفعالها مسؤولية على نفوسهم، ويجعلوا كالعاشقين لها. وإنهاض العزائم نحو فعل الشيء وربما كان بقول وربما كان بفعل.

فما هو هذا التواجد الفني - الجمالي في العملية التعليمية التأديبية، وسيلةً وغايةً، عند أبي نصر الفارابي؟

أما عن مظاهر التجربة الجمالية الفارابية في العملية التعليمية هي أن الفضائل النظرية هذه، ومنها المدنية، تتم بالقول فقط، وهو ما لا ينهض إلا من طريق التخييل والتمثيل. ويتم التعليم فيها للخاصة على أن «يؤخذوا بالتعلّم من صباهم على الترتيب الذي ذكره أفلاطون. [وإلى جانب هذا] ينبغي أن يعلّموا الأشياء النظرية بالطرق الإقناعية (وأن) كثيراً من النظرية يفهمونها بطريق التخييل؛ وهي التي لا سبيل إلى أن يعقلها الإنسان إلّا بعد أن يعقل معلومات كثيرة جدًّا؛ وهي المبادئ القصوى والمبادئ التي ليست هي جسمانية».

ويثير الفارابي الفكرة نفسها في كتابه(السياسة المدنية) ويُبيّن أن تعليم الموجودات ومراتبها والسعادة ورئاسة المدن الفاضلة تتم إما عن طريق التصور والتعقل وإما عن طريق التخييل، «وتصورها هو أن ترتسم في نفس الإنسان خيالاتها ومثالاتها وأمور تحاكيها».

وهكذا فالمحاكاة التي هي جوهر الفن لم تعد عند الفارابي مجرد محاكاة للطبيعة، كما هو الحال عند أرسطو مثلاً بل هي محاكاة وظيفية تعليمية لمبادئ الوجود وبأشياء يألفها أهل المدن، وهي أشبه، في الأشياء المرئية، بأن نرى الإنسان نفسه أو تمثاله أو خياله في الماء.. «فإن رؤيتنا له تشبه تصور العقل لمبادئ الموجودات وللسعادة ولما سوى ذلك. ورؤيتنا للإنسان في الماء أو رؤيتنا تمثاله تشبه التخيل.. وأكثر الناس.. ينبغي أن تخيّل إليهم مبادئ الموجودات ومراتبها والعقل الفعّال والرئاسة الأولى كيف تكون بأشياء تحاكيها». ومحاكاة هذه الأشياء ينبغي أن تكون «لكل طائفة أو أمة بالأشياء التي هي أعرف عندهم».

وأما عن مظاهر التجربة الجمالية الفارابية في العملية التأديبية، فهي تتجلّى في لوحات فنية ليست كاللوحات الحسية التي يرسمها الفنان الأرسطي بريشته محاكياً فيها الجمال الطبيعي، بل في لوحات معنوية روحية يحاكى بها مبادئ الموجودات بجودة التخيل المحبوك بكلمات ذات معنى تجعل المتخيل والمتمثل، إذا كان قيمة خيّرة، معشوقاً لا تملك نفس السامع إلَّا النهوض إلى طلبه؛ وعلى النقيض من ذلك تجعل المتخيل المحاكى، إذا كان قيمة قبيحة، لا تملك نفس السامع إلَّا الإحجام أو الهروب والنفور منه؛ ولعل هذا فن من الفنون التي عرفت عند العرب المسلمين بفن الإقناع والخطابة.

فالطرق الإقناعية (الجدلية) والخطابية إذن تجد في الفن، عند الفارابي، وسيلةً تجعل من الإقناع عند المجادل أو المخاطب أكثر وطأةً وخشوعاً وتأثيراً في السامع. فالملك الذي هو مؤدب الأمم وأهل المدن -عند الفارابي- مطالب بأن يلتمس في كل واحدة من الأمور النظرية المعقولة الطرق الإقناعية الممكنة فيها، «[ فـ] يعمد إلى تلك الأمور بأعيانها فيأخذ مثالاتها [محاكاتها]؛ وينبغي أن يجعل تلك المثالات مثالات تخيل الأمور النظرية عند جميع الأمم باشتراك، وتجعل المثالات بما يمكن أن يوقع التصديق به بالطرق الإقناعية». وهذا يعني أولاً توظيف الفن بكيفية تجعله يعطي الأفكار صوراً حسية أو خيالية تقرّبها ممن هو في مصاف الجدل، وتعطيها (الأفكار) صوراً تمثيليةً ليقرّبها من العامة التي لا تقوى على البراهين المنطقية؛ وثانياً، فإن هذه أو تلك هي طرق فنية «تنهض بها عزائمهم (الأمم وأهل المدن) نحوها (الأفكار) ويستعمل في ذلك الأقاويل التي يوطأ بها أمر نفسه، والأقاويل الانفعالية والخلقية التي تخشع منها نفوس المدنيين وتذل وترق وتضعف. وفي الأشياء المضادة لها (يستعمل) أقاويل انفعالية وخلقية تقوى لها نفوس المدنيين وتفر، وتقسو وتحنو.. وأقاويل تقبّح آراءهم وأفعالهم وتظهر نكرها وشنيعها».

والحاصل من هذا أنه كما أن الفنان المحاكي للطبيعة يجعل الناظر يتذوق فنه ويتلذذ بالنظر إليه فيرغب في شرائه وينهض لطلبه، فكذلك المعلم الفيلسوف أو الملك مطالب في علم الأفكار بأن تكون محاكاته لمبادئ الموجودات غاية في الجودة ذلك أن «جودة التخيل يقصد بها -كما يقول الفارابي في موطن آخر من كتبه- أن تنهض نفس السامع إلى طلب الشيء المتخيل والهرب منه أو النزوع إليه أو الكراهية له، وإن لم يقع به تصديق..».

وطبقاً لهذه النظرة فإننا نجد أن أبا نصر الفارابي يحدّد للفن مهمة أخلاقية جدُّ نبيلة يقتدر بها الفنان - الفيلسوف خاصة على تحريك الناس نحو فعل الفضائل والتحلي بها، وفي المقابل يعمل على تحجيم الناس عن فعل الرذائل والابتعاد عنها وذلك بأن يصور لهم الفضائل في صورة جميلة معشوقة تتطلع إليها الأنفس وتهواها، والرذائل في صورة فنية قبيحة شنيعة تأباها الأنفس وتكرهها.

ومن هنا كان أيضاً اهتمام الفارابي بالبعد الفني - الجمالي في الأشياء المصنوعة؛ إذ الشيء المصنوع لا يقع في نفس طالبه إلّا بقدر جماله الذي هو غاية إتقانه، والذي من دونه لا يتلاءم وطبيعة النفس البشرية. فكما أن الفارابي جعل الأجمل هو الأنفع فكذلك جعل الأجمل هو الملائم؛ لأن اللذة الجمالية -كما يقول- لا تخلو من أن يحدثها إدراك الملائم، والذي هو، كما أشرنا، لا يعدو أن يكون ما تدركه النفس من ترتيب وإتقان في الصنعة يتلاءم مع ما جبلت عليه النفس البشرية من تشوّق نحو الكمال/ الجمال.

ولم يكن الفارابي ليهمل عالم الألحان والشعر. وتجربته الجمالية فيه هي الأخرى تنتظم داخل النسق الوجودي المستمد من نظرية الفيض عنده. ولما كان «كل موجود إنما كوّن ليبلغ أقصى الكمال الذي له أن يبلغه بحسب رتبته في الوجود الذي يخصه».

والحال هذه، والأجمل عند الفارابي لا يخلو من أن يكون هو الأكمل وذلك على قدر مراتب الموجودات، وكان كمال المحسوسات مثلاً هو أن تتقرّر في مفاهيم مجردة معقولة، وكمال الإنسان هو أن يبلغ العقل الفعّال.. فإن للألحان كذلك كمالها ونفعها على قدر مرتبتها من مراتب الوجود.

يقرر الفارابي أن الألحان ثلاثة أصناف: أحدها الألحان المُلِذّة، وهي التي تفيد النفس راحةً ولذّةً في المسموع، وثانيها الألحان الانفعالية التي تجيّش في النفس انفعالاتها، وثالثها الألحان المخيِّلة أي التي تدفع النفس نحو التخيّل والتصوّر والتأمّل، وخاصة ما اقترن منها بالأقاويل الدالة على المعاني؛ «فإن الأقاويل متى قرنت بنغم مُلِذّة كان إصغاء السامع لها أشد واجتمعت فيه هذه الثلاثة فهو لا محالة أكمل وأفضل [وأجمل].. والألحان الكاملة إنما توجد بالتصويت الإنساني، وأما بعض أجزاء الكاملة فقد يسمع أيضاً بالآلات».

فمنتهى جمال الألحان إذاً هو الصوت الإنساني، فمنه المعنى المعبّر عنه بالشعر النافع والمرتب والملائم للطبيعة البشرية، ومنه النغم الشجي الذي يصدر عن بعض الآلات الموسيقية.. وهذه الأنواع من الأصوات تستخدم في تأديب الأمم وأهل المدن، لما تحدثه في الأنفس من تخيل وتصور وتأمل، فضلاً عمَّا تحدثه من ارتياح وتلذذ وتسكين للانفعالات وتوازن للنفس، ولهذا وجدنا أبا نصر الفارابي يعتبر بعض الأصوات على أنها «بمنزلة الأدوية وتستعمل من الأمور الإنسانية من المواضع التي نسبتها منها كنسبة أمكنة الأدوية من الأبدان». ولا تكون كذلك إلّا إذا كانت أجود أي أجمل؛ فالأجمل/ الأجود هو ما تنجذب نحوه الأنفس، والقبيح هو ما تهرب منه الأنفس، ولذلك كانت «الأشعار كلها -كنماذج فنية- إنما استخرجت ليُجوّد بها تخييل الشيء، وهي ستة أصناف.. فالثلاثة المحمودة أحدها الذي يقصد به إلى إصلاح القوة الناطقة وأن تسدد أفعالها وفكرها نحو السعادة، وتخييل الأمور الإلهية والخيرات وجودة تخييل الفضائل وتحسينها وتفخيمها وتقبيح الشرور والنقائص وتخسيسها. والثاني.. أن يصلح ويعدّل العوارض المنسوبة إلى القوة من عوارض النفس.. والثالث.. أن يصلح ويعدّل العوارض المنسوبة إلى الضعف واللين من عوارض النفس.. والثلاثة المذمومة هي المضادة للثلاثة المحمودة».

وعطفاً عما سبق، فإنك لا ريب ستخلص إلى أن الفن/ الجمال لا يخلو من أن يكون، في نظر أبي نصر الفارابي، عملية تعليمية - تأديبية جادة تهدف إلى تحقيق القيّم الخيّرة في الأشياء الجميلة معنوية كانت أو حسية، ووفقاً لسلّم مراتب المدارك برهانية كانت أو إقناعية (جدلية) أو خطابية (نثرية/ شعرية) أو صناعية؛ والغرض من ذلك كله جعل الأمم وأهل المدن تنهض لطلبها حتى تستكمل كمالها وتحقق سعادتها القصوى إن في الدنيا وإن في الآخرة، وهذا أهم ما تميّزت به تجربته الجمالية.

 

 

 

 

 عدد القراءات ( 256 )

  لقراءة التعليقات حول هذا الموضوع  أضغط هنا  

 

           

 


التعريف | قواعد النشر | هيئة التحرير | شروط الإستخدام | مجلات صديقة

 
 
 


2750568